الدكتور هاني أبو العلا يكتب

مات أبو اليسر ولا عزاء لملوك الجدعنة

بقلم : الدكتور هاني ابوالعلا

وسط همهمات و تغريدات تستنكر هذا العمل التلفزيوني، الذي تعرضه بعض قنوات التلفاز ، الذي يحمل عنوان "ملوك الجدعنة" ووسط نداءات منذ أول يوم في الشهر الكريم بمنع عرضه لما يتضمن من رسائل البلطجة وعدم احترام بعض عناصر الشخصية المصرية، وإذا بحلقة أخرى يشاهدها كلٌ المصريون، لكنها خارج سيناريو هذا العمل الرمضاني، في تلك الحلقة عصف بأعين وأسماع المصريين خبر صادم، هؤلاء اللذين راقبوا عن كسب حلقات مسلسلة من الاسفاف، بطلها هو هذا الممثل، الذي اعتاد أن يخرج على المشاهدين بمناظر من الزهو والافتخار، حاملاً مدفع رشاش في مرة، ومحتضناً لأسد مرة أخرى، ووسط أسطول من سياراته مرة ثالثة، لكن في هذه المرة تسبب في عزل طيار مشهور من وظيفته بسبب دخوله لكبينة قيادة الطائرة ليصور نفسه في مشهد جديد من مشاهد المنظرة، التي اعتاد عليها، وتسير الأحداث بين انكار من الممثل وتظلم من الطيار، وتنتهي بتعويض مالي للطيار وحسرة ملأت قلبه فشاب وهارتب قواه في فترة وجيزة ليصبح كهلاً، ووسط سخرية من الممثل واستنكار من الشرفاء، ينقطع التيار الكهربائي ليغيب المجتمع المصري عن الأحداث لفترة وجيزة، إلى أن يُعلن خبر انتهاء المسلسل، لكنه قد انتهى بنهاية حزينة بالإعلان عن وفاة الطيار أشرف أبو اليسر صاحب القصة الشهيرة إيذاء ما سببه له أحد ملوك جدعنة العصر، ليصرح أحد أعظم أطباء القلب في مصر بأن الحسرة التي شعر بها أبو اليسر كانت سبباً في إنزواء مناعته فموته.

ودعونا نقترب من المشهد بعض الشئ، فقد ارتبط البيت المصري ارتباطاً وثيقاً  بالدراما، وبالأخص الدراما الرمضانية، التي كان لها مذاقاً خاصاً، تلك التي تطورت بفعل التكنولوجيا من المسلسلات المذاعة عبر أثير الإذاعة المصرية إلى تلك المعروضة عبر شاشات التلفاز، التي تغيرت أحداثها الدرامية أيضاً انعكاساً لتلك السلوكيات المشينة، الدخيلة، التي يشهدها الشارع المصري.

ولا شك أن الدراما المسلسلة قد دخلت كل بيت من البيوت المصرية، وتعلق بأبطالها كل أفراد الأسرة،فكانت حلقات يومية تعرض أحداث حياتية في محاكاة لصورة  شبيهة بالواقع الذي يعيشه المصريون، فكانت ليالي الحلمية، وذئاب الجبل، وبوابة الحلواني و عائلة ونيس، وغيرها من الحلقات المسلسلة الرائعة، التي صيغت أحداثها بعناية، وبشكل هادف، ومثل أدوارها فنانون مبدعون، لدرجة أن أسماءهم الأصلية قد انصهرت في أسماء شخصيات المسلسلات، فأصبح الجمهور يناديهم بها، فعرفنا زينهم السماحي وسليم البدري وسليمان غانم، و أحببنا شلش الحلواني ومختار الكاشف،  ومثل الأولاد أدوار شخصيات الزيني بركات والشهاب زكريا في الشوارع، حتى أن الكثير منا كان وما زال متعلقاً بموسيقى (تتر) بداية الحلقات ونهاياتها.

وقد عكست تلك الدراما واقعاً جميلاً اختلط في أذهان معظم المصريين بالصفات المصرية الأصيلة، صفات ابن البلد، والوطني، المتسامح، وعاش  المصريون أحداث تلك المسلسلات، فقد حرصت هذه الأعمال الفنية على تقديم صورة واقعية، وأيقنوا أنهم يعيشون في كل البيوت المصرية، فكانوا مثالاً للاحترام والانضباط، بعيدين كل البعد عن الابتذال و الاسفاف.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا؛ من منا لا يجد ارتباطاً شرطياً بين أحداث هذه الأعمال الفنية الجميلة، وبين مواقف حياتية نشتاق إليها جميعاً؟، بل وربما ارتبطت بروائح لأكلات نحبها، فإذا ما تذكرنا أحداث هذا المسلسل وجدنا طعمها ومذاقها على ألسنتنا.  

وقد يتساءل البعض؛ فإن كان الجميع يستنكر أحداث مسلسل "ملوك الجدعنة" فلماذا يشاهدونها من الأساس؟" وتكمن الإجابة على هذا السؤال في أن الشعب المصري أصيل بفترته، و من الصفات التي تميزه هي إنه شعب "عِشَري" ودائما وأبداً ينشد الأصالة في عادات توارثتها أجيال وراء أجيال، فقد ورث المصريون سماع طبلة المسحراتي مثلاً، ومع كل الإذاعات والوسائط المتعددة وشبكات الانترنت وغيرها، فإننا ما زلنا ننتظر "طبلة المسحراتي". 

ولو سألت أي مصري بسيط  عن السبب لأجابك بعفوية "إنه طعم الدنيا"، وهو أيضا ما يدفعنا نحن المصريون لمشاهدة المسلسلات الرمضانية، وما زلنا ننشد الزمن الجميل أو إن شئت فقل "طعم الدنيا".

إذن فليس العيب على المتفرج الذي فتح التلفاز ليشاهد مسلسل رمضان، الذي انتظره زاعماً أن التاريخ يعيد نفسه، كما إننا لا يمكن أن نلقي اللوم على من يقوم بتمثيل دور البلطجي موقناً أنه من "ملوك الجدعنة" وعلى المشاهد الكريم أن  يدرك أن من سمى المسلسل المزعوم ب "ملوك الجدعنة" لم يتصنع أو يتعمد الإخلال بالمحتوى، فهم بحق ملوك الجدعنة، لكن عفواً! إنها الجدعنة بمفهوم آخر. رحم الله أبا اليسر، ولا عزاء للجبناء.


الدكتور هاني ابوالعلا

الدكتور هاني ابوالعلا

مات أبو اليسر ولا عزاء لملوك الجدعنة
د.مصطفي الديب

د.مصطفي الديب

التنمر والسادية.. كيف يكتسبها الأطفال؟
الدكتورة هويدا عزت

الدكتورة هويدا عزت

سيبوهم ياكلوا عيش !!
يوسف جابر

يوسف جابر

«الشباب ـ الاستثمار».. ملفات تؤرق وزير البترول 
الدكتورة هويدا عزت

الدكتورة هويدا عزت

التعليم المستمر بين الثابت والتغيير
العقيد خالد أبوبكر

العقيد خالد أبوبكر

كابوس الدعارة الإليكترونية
لواء دكتور سمير المصري

لواء دكتور سمير المصري

 كيف تستطيع تغيير العالم؟
سامي الجمل

سامي الجمل

سامي الجمل يكتب: أساسيات براعة الكتابة في المحاماه
أيمن حسين

أيمن حسين

تدابير اقتصادية خفية
أسامة السويسي

أسامة السويسي

الأهلي خيره على الجميع